في الوقت الذي ألحقت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل أضراراً كبيرة بإيران في حرب الشرق الأوسط، وسَّعت طهران نطاق الصراع. وبالنظر إلى أن من غير المتوقع أن يحرز أي من الطرفين نصراً حاسماً، فإن مخاطر التصعيد تدعو إلى التعقل. اللجوء إلى الدبلوماسية حيوي لمنع تجدد الأعمال القتالية، لكن ينبغي أن تكون الأولوية وقف إطلاق نار فوري.
في نهاية شباط/فبراير، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة عسكرية كاسحة، ومتهورة، ومن شبه المؤكد أنها غير قانونية ضد إيران، فأحدثتا أزمة متفاقمة كان عدد كبير من دول العالم قد تنبأ بحدوثها، باستثناء أولئك الذين حرضوا على شنها، على ما يبدو. من الناحية التكتيكية، يحقق هجومهما نجاحات؛ فقد أدت الغارات الافتتاحية إلى مقتل القائد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار الشخصيات المحيطة به. واستهدفت الضربات اللاحقة مواقع إطلاق الصواريخ ومصانعها، والمنشآت النووية، والدفاعات الجوية، وأصول البحرية الإيرانية، والمباني التي يستعملها الحرس الثوري الإسلامي وأجهزة أمن الدولة الأخرى. أما من الناحية الإستراتيجية، فإن مسار الحرب حتى الآن مسألة أخرى. ردّت الجمهورية الإسلامية مباشرة تقريباً باستهداف إسرائيل، والقواعد الأميركية والمرافق الدبلوماسية، وشركاء الولايات المتحدة في الخليج، بما في ذلك البنية التحتية المدنية في هذه الدول، فسلطت عليها نيران الصواريخ والمسيرات، وأحدثت اضطراباً في الأسواق، بالنظر إلى توقف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز فعلياً، إلّا في الحالات التي سمحت لها طهران نفسها بالمرور. بالنظر إلى أن الولايات المتحدة وضعت جملة من الأهداف المتغيرة، تحول الصراع إلى معركة استنزاف غير متناظرة تضع التفوق العسكري الأميركي والإسرائيلي في مواجهة تصميم إيران على توسيع ميدان المعركة، واستغلال نقاط الضعف المتزايدة لخصومها والتمكن من البقاء في وجه قوات تفوقها قوة عسكرية. رغم أن وقفاً فورياً لإطلاق النار سيترك قضايا مهمة دون تسوية، يجب أن يكون ذلك هو الأولوية بالنسبة لأطراف ثالثة تتمتع بالنفوذ لدى الولايات المتحدة وإيران، خشية أن تؤدي هذه الحرب المكلفة أصلاً إلى تداعيات أكثر كارثية.
عودة إلى الحرب
لم تبدأ حرب الاختيار هذه من فراغ، بل تأتي في أعقاب صراع الاثني عشر يوماً في حزيران/يونيو 2025، الذي انتهى فجأة لكن دون أن يسوّي، من وجهة نظر أميركية وإسرائيلية، شيئاً يذكر من القضايا التي اندلع من أجلها. حينذاك، زعم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن الضربات التي استهدفت برنامج إيران النووي وبرنامجها للصواريخ البالستية كانت “قد أزالت تهديدين وجوديين“، في حين أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشكل متكرر ”إبادة” قدرات طهران على التخصيب. لكن سرعان ما وُضعت تلك الادعاءات موضع تشكيك؛ فبحلول أواخر عام 2025، كان المسؤولون الأميركيون والإسرائيليون يعبّرون عن هواجس متنامية بشأن التهديدات التي ادعوا سابقاً أنهم أزالوها، أي ما تبقى من المواد الانشطارية لدى إيران، ومدى سرعة استئنافها لتخصيب اليورانيوم، وما كانت تفعله لإعادة بناء مخزوناتها من الصواريخ.
فاقمت تطورات أخرى تلك التوترات؛ ففي كانون الأول/ديسمبر 2025، أطلقت احتجاجات قام بها الإيرانيون في جميع أنحاء البلاد، وقُمعت بعنف من قبل النظام، تحذيرات غير متوقعة بالتدخل من قبل الرئيس ترامب. أتبعت الولايات المتحدة تلك التحذيرات بسرعة بتعزيز أصولها وطواقمها العسكرية في المنطقة في أكبر حشد منذ حرب العراق عام 2003. رغم استئناف الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران، والتي بدا أنها تحقق تقدماً، أخفق الطرفان في العثور على أرضية مشتركة، بوجود خلافات بشأن نطاق الاتفاق المحتمل (ما إذا كان سيقتصر على معالجة الملف النووي أو سيغطي أنشطة إيرانية أخرى) وتفاصيل المعايير النووية (ولا سيما درجة تخصيب اليورانيوم التي سيسمح لإيران بالوصول إليها، إذا سُمح لها بالتخصيب، وفي ظل أي ظروف). وسواء كان ترامب يستعمل المفاوضات غطاءً للتحضير لعملية عسكرية مخططة مسبقاً، أو نفاد صبره من المفاوضات التي لم تفضِ إلى استسلام سريع، فإنه اختار للمرة الثانية خلال عام واحد الشروع في أعمال قتالية في أثناء مفاوضات دبلوماسية.
قدمت الولايات المتحدة قائمة من المبررات للحملة العسكرية المشتركة.
قدمت الولايات المتحدة قائمة من المبررات للحملة العسكرية المشتركة التي تلت – بما في ذلك إحباط هجوم عسكري وشيك، متخيّل فيما يبدو، لإحباط ضربة إسرائيلية، أو الرد على مثل تلك الضربة – بموازاة قائمة متغيرة من الأهداف. صورت واشنطن هدفها في كثير من الأحيان على أنه تقليص قدرات إيران الإستراتيجية، وتحقيق استسلام النظام (“استسلام غير مشروط“، كما اشترط ترامب)، من خلال السعي إلى انهياره أو زعزعة استقراره، أو ربما تكرار لعملية الإدارة في كانون الثاني/يناير للإطاحة بقيادة فنزويلا دون إسقاط حكومتها، وتأمين التعاون مع عناصر معينة داخلها. الأمر المهم هو أن ترامب، الذي ربما شجعته النجاحات التكتيكية التي تحققت في حرب حزيران/يونيو 2025، والغارة التي أدت إلى القبض على الرئيس الفنزويلي نيوكلاس مادورو، اعتقد أن هذه الحرب ستتبع نمطاً مماثلاً من حيث المدة المحدودة والتكاليف.
لم يؤكد الرد الإيراني صحة خطط ترامب؛ فقد رصّت الجمهورية الإسلامية الصفوف في أعلى هرم النظام – بما في ذلك بترفيع ابن خامنئي، مجتبى، وهو من المتشددين، ليكون القائد الأعلى الجديد – واستقرت على ما تعتقد أنها ستكون حملة استنزاف تحتفظ فيها بأوراق تمكنها من عدم الخسارة، إن لم يكن النصر. من الناحية العملية، حاولت إيران نشر الفوضى في المنطقة من خلال مهاجمة شركاء الولايات المتحدة في الخليج والضغط على الاقتصاد العالمي من خلال إغلاق مضيق هرمز فعلياً. كما يبدو أنها تعتقد أن تكاليف الصراع سترتفع على الولايات المتحدة وشركائها مع استنزاف مخزونات أنظمة الدفاع الجوي، ولا سيما الصواريخ المصممة لاعتراض الصواريخ البالستية. لقد فاقت عملية “الغضب الملحمي” (أو “زئير الأسد“، كما تُعرف في إسرائيل) حرب حزيران/يونيو 2025 بكثير من حيث شدتها، واتساعها وتداعياتها العالمية.
كيفية إعلان النصر
في حين حققت الحرب في الواقع للولايات المتحدة، وإسرائيل وإيران انتصارات وخسائر، لا يزال يمكن للجميع تسجيل نجاحات كافية لإنهائها، شريطة أن يتحركوا بسرعة لفعل ذلك قبل تصاعُد الأحداث. يمكن لسردية واشنطن – التي يمكن أن تنطبق أيضاً على مكاسب إسرائيل – أن تركز على مدى الأضرار التي أحدثتها قوة النيران الأميركية والإسرائيلية المشتركة على قدرات إيران النووية، وبرامجها للصواريخ والمسيرات. كما يمكن للرئيس ترامب أن يشير إلى القضاء على قيادة النظام، وأن يجادل بأنه تصدىلخصم لم يمتلك الرؤساء الأميركيون الآخرون الشجاعة الكافية لمواجهته. لن تقنع هذه القصة الخصوم السياسيين للرئيس، لكن يمكن أن تساعد أنصاره في الفترة التي تسبق الانتخابات النصفية في تشرين الثاني/نوفمبر، إذ قد يجد الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترامب نفسه رازحاً تحت عبء حرب لا تحظى بالشعبية بشكل عام.
بالمقابل، يمكن أن يعني استمرار الحرب درجة أكبر من الفوضى الاقتصادية، مع ارتفاع الأسعار في محطات الوقود، وامتداد آثارها إلى الصناعات البتروكيميائية الحيوية والأعباء السياسية المتزايدة. كما أنه ليس من الواضح ما يمكن للحرب أن تحققه أكثر مما حققته على الأرض باستثناء تعميق المآزق الاقتصادية والإستراتيجية الراهنة. يمكن قصف مواقع التخصيب مرة أخرى، لكن تأمين المواد الانشطارية التي تملكها إيران بشكل مؤكد سيتطلب نشر قوات أميركية و/أو إسرائيلية ربما في مواقع متعددة، وتعريضها للخطر دون أن يكون هناك ضمانة بالحصول على تلك المواد. يمكن لغزو أميركي يهدف إلى تأمين مضيق هُرمز أو احتلال جزر إيرانية في الخليج أو احتلال مناطق ساحلية أن يحرم طهران من مصدر حيوي للعائدات، لكن ليس من الواضح أبداً أن مثل ذلك الهجوم سيكون عملياً؛ إذ إن نجاحه لن يكون مضموناً، بل سيعرِّض القوات الأميركية للنيران الإيرانية؛ كما أنه يمكن أن يثير المشاعر القومية في أوساط الإيرانيين الغاضبين من التدخل الخارجي. وسيكون تفادي مثل تلك الحصيلة والمخاطر المترتبة عليها، بحد ذاته، نتيجة مهمة.
يمكن للجمهورية الإسلامية أيضاً أن تكتب سرديتها للانتصار؛ إذ ستكون قد تمكنت من البقاء في وجه هجوم كاسح، وأظهرت قدرتها على الصمود، وعلى زعزعة استقرار الاقتصاد العالمي، وإرسال رسالة مفادها أن الألم سيطال نطاقاً واسعاً إذا استؤنفت الحرب. بالمقابل، فإن مرور كل يوم من أيام هذا الصراع يعني درجة أكبر من الدمار، وتصاعد أعداد الضحايا، والإدانة المتزايدة من قبل جيرانها، الذين يشعرون بغضب شديد لأنهم شكلوا أهداف إيران الرئيسية رغم جهودهم المبكرة لتفادي الحرب، والذين قد لا يكونون مستعدين للعب دور في خفض التصعيد في المستقبل. إن استمرار الحرب سيعني توجيه المزيد من الضربات للبنية التحتية في إيران، بما في ذلك منشآت الكهرباء والنفط، وربما محطات تحلية المياه أيضاً، والتي يمكن أن تضاعف بؤس أمة كانت حتى قبل الحرب تصارع ضد الفقر، وانقطاع الكهرباء، وشح المياه والتردي البيئي. إن الحد من الأضرار طريقة أكثر واقعية لتقليص كلفة إعادة الإعمار بدلاً من توقّع تعويضات من غير المرجح أبداً الحصول عليها.
لكن للأسف فإن كلا الطرفين يمكن أن يجدا ما يبرر استمرارهما في القتال. بالنسبة للولايات المتحدة، وأيضاً بالنسبة لإسرائيل، فإن إنهاء الحرب الآن يعني ترك عدة أهداف صريحة أو ضمنية دون تحقيق. فمصير المواد الانشطارية التي تملكها إيران، على سبيل المثال، لن يصبح أوضح اليوم مما كان في بداية الصراع. الأمر الأكثر جوهرية، هو أن النظام الإيراني لم يتمكن فقط من البقاء، بل إنه فرض تكاليف حقيقية. ويمكن أن يخرج من هذا الصراع أكثر جرأة وعدوانية. حتى لو استنتجت الولايات المتحدة أنها تكتفي بوقف الإجراءات استناداً إلى الأضرار التي أوقعتها حتى الآن، ليس من الواضح أبداً أن إيران ستكون مستعدة للرد بالمثل من حيث قبولها بهدنة فورية وغير مشروطة في غياب الضمانات. يعتقد البعض على الأقل في طهران أن مواجهة طويلة تعزز نقاط قوة إيران، وأن وقف الحرب الآن – قبل أن يُفرض على الولايات المتحدة والاقتصاد العالمي ثمن أعلى – يخاطر بالتسبب بتجدد الهجمات في المستقبل. لقد طلبت القيادة الإيرانية تطمينات بأن تمتنع الولايات المتحدة و/أو إسرائيل عن شن مزيد من الهجمات، وأيضاً تقديم تعويضات، وانسحاب الولايات المتحدة بشكل دائم من المنطقة، والاعتراف بحق إيران بتخصيب اليورانيوم. لا شك في أن بعض هذه المطالب يشكل مواقف افتتاحية تعرف طهران نفسها أنها غير واقعية. لكن المخاوف من أن الولايات المتحدة وإسرائيل يمكن أن تستأنفا الأعمال القتالية في المستقبل، حالما تكونا قد سدتا النقص في مخزوناتهما من الأسلحة والصواريخ الاعتراضية، والقناعة بأنه يجب على إيران الحصول على رادع حقيقي من خلال الفوضى التي تنشرها، تشير إلى أن إيران قد لا تكون مستعدة للتوقف عندما يأمر ترامب بإنهاء الحرب. قد لا تكون كل شروطها المعلنة استعراضية فحسب.
ضرورة وقف إطلاق النار
لكن بالنسبة لباقي أنحاء العالم، فإن تكاليف ومخاطر صراع طويل الأمد صارخة، ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في جميع أنحاء العالم، كما تبيَّن لمجموعة الأزمات في استقصاءاتها. بداية من ملء صندوق الحرب الروسي، إلى تعطيل سلاسل الإمداد بالأسمدة، إلى حدوث ارتفاعات كبيرة في تكاليف الطاقة في أوروبا وآسيا، فإن أصداء الحرب على إيران تتردد فعلاً أبعد بكثير من الشرق الأوسط. ليس هناك حل عسكري سريع لفتح مضيق هُرمز واستعادة التجارة الحيوية المتدفقة من خلاله. حتى لو انتهى الصراع فوراً، سيمر بعض الوقت قبل استئناف مرور السفن في المضيق بالمستويات السابقة وتهدئة أسواق الطاقة. في حين تستطيع الولايات المتحدة فرض المزيد من قوتها العسكرية وحشد حلفاء ملتزمين بفك قبضة إيران عن الممر المائي، قد يكون لدى إيران المزيد من أدوات الضغط المتعلقة بالطاقة، ناهيك عن الخيارات العسكرية الكبيرة لمواجهة مثل ذلك التحرك. إذا دخل الحوثيون في اليمن الصراع، يمكن أن يضيفوا إلى القيود المفروضة على التدفق الحر للملاحة من خلال خنق مضيق باب المندب الذي يربط خليج عدن بالبحر الأحمر، والذي يشكل نقطة اختناق بحرية أخرى وممراً بديلاً مهماً، ولا سيما بالنسبة للسعودية. في هذه الأثناء، فإن كل يوم من الصراع يقوض اقتصاد دول الخليج العربية، التي تشكل عادة مراكز عالمية للتجارة، والتمويل والسفر.
مع ازدياد عمق وشدة الحرب، تلوح في الأفق مخاطر أخرى؛ فمن السهل جداً تخيُّل وقوع حدث يسقط فيه عدد كبير من الضحايا في الخليج أو إسرائيل يزيل أياً من الضوابط المتبقية؛ أو عودة الإرهاب إلى الظهور بتشجيع إيراني، في الشرق الأوسط، أو أوروبا، أو الولايات المتحدة أو مناطق أخرى؛ أو بروز اضطرابات داخلية بعد المزيد من تردي النظام، الأمر الذي يمكن أن يجتذب الدول المجاورة؛ أو حدوث تدفقات هائلة من اللاجئين إلى الشرق الأوسط وأوروبا. ستتضاعف بعض هذه المخاطر بوجود الجبهة الثانية للحرب، التي تظهر في لبنان مع سعي إسرائيل لتوجيه ضربة قاصمة لحزب الله الذي ما يزال صامداً. إضافة إلى ذلك، ثمة تداعيات على الحرب في أوكرانيا مع حصول روسيا على مكاسب مالية من الأزمة؛ وربما على حلف شمال الأطلسي، الذي هدد ترامب بحله تقريباً إذا لم يهبّ الحلفاء لتقديم الدعم العسكري لجهود الولايات المتحدة لفتح مضيق هرمز؛ وعلى جهود تحسين العلاقات بين الولايات المتحدة والصين في القمة المزمع عقدها في نهاية آذار/مارس، والتي ألمح ترامب إلى أنه قد يؤجلها في غياب الدعم الصيني لمبادرته لفتح مضيق هرمز.
يجب أن تعطى الأولوية لوقف متبادل للهجمات من قبل الولايات المتحدة، وإسرائيل وإيران، بما في ذلك تلك التي تشنها أو تتعرض لها المجموعات المسلحة العاملة بالتنسيق مع طهران.
لهذه الأسباب، يجب أن تعطى الأولوية لوقف متبادل للهجمات من قبل الولايات المتحدة، وإسرائيل وإيران، بما في ذلك تلك التي تشنها أو تتعرض لها المجموعات المسلحة العاملة بالتنسيق مع طهران. في حين أن من الصعب معرفة من سيتمكن من إقناع ترامب، قد يتمتع قادة الشرق الأوسط وغيرهم من القادة المسلمين الذين ساعدوا في إقناعه بإجبار إسرائيل على وقف إطلاق النار في غزة في أيلول/سبتمبر 2025 بأفضل فرصة لتحقيق ذلك؛ إذ إن عدداً منهم على خط جبهة الحرب فعلياً، وسيكون تعافيهم جزءاً لا يتجزأ من الجهود الرامية لإعادة وضع الاقتصاد العالمي على مساره الصحيح – وهو أمر من الواضح أن ترامب يريد أن يراه.
من المفهوم أن تركز العواصم الخليجية في الوقت الحاضر أكثر مما ينبغي على الدفاع عن أنفسها، وقد تكون جراحها لا تزال حارة بحيث لا تستطيع الضغط كثيراً على ترامب لوقف الحرب مباشرة، على الأقل مع استمرار الهجمات الإيرانية على بلادها، رغم قلقها بشأن التداعيات بعيدة المدى على استعداد إيران لإغلاق مضيق هرمز وقصف مدنها وبنيتها التحتية. لكن يمكن القول إن من المتوقع أن تكون أكبر الخاسرين من استمرار الحرب، وربما توافق على جهود يقودها آخرون، بما في ذلك تركيا ومصر، على سبيل المثال. وهناك دول أخرى قد يكون من المفيد انضمامهما إلى محاولة إقناع ترامب، وهي الدول المتأثرة بعمق من تعطيل إمدادات الطاقة من الخليج، مثل الهند أو الصين (رغم أن من شبه المؤكد أن تتجاهل بكين جهود ترامب لدفعها لإرسال سفن حربية إلى الخليج). رغم أن أعضاء الكونغرس الجمهوريين قد يحجمون عن معارضة ترامب علناً، فإن إشارات ترسل عبر القنوات الخاصة إلى البيت الأبيض تفيد بأن الرئيس يبدو ضعيفاً ومخطئاً على نحو متزايد، وأنه يلحق الضرر بفرصهم الانتخابية، يمكن أن تساعد. بالطبع، فإن أي وقف من جانب الولايات المتحدة سيتعين أن ينطبق على إسرائيل – وهو أمر يستطيع ترامب فرضه – وسيتعين على الدول التي تتمتع بالنفوذ لدى طهران أن توضح أنها تتوقع من إيران أن ترد بالمثل. مثالياً، يمكن ترسيخ هذه النتيجة في قرار صادر عن مجلس الأمن الدولي، لكن الشكليات أقل أهمية من المحتوى. يجب وقف إطلاق النار.
نظرة أبعد
من المحتم أن يترك أي وقف لإطلاق النار، بالطبع، مشكلات كثيرة يمكن أن تتفاقم. كما حدث في أعقاب حرب حزيران/يونيو 2025، فإن أياً من تلك المشكلات التي شكلت خلفية الأزمة الراهنة لن تكون قد حُلت؛ بل إن عدداً منها سيتفاقم. وتشمل الهواجس التي ما تزال قائمة مصير قدرات إيران الصاروخية، وتلك المتعلقة بإنتاج المسيرات، إضافة إلى برنامجها النووي ومخزونها من اليورانيوم المخصب؛ ودعمها لمجموعات مسلحة في جميع أنحاء المنطقة تعمل خارج نطاق القانون وتنتهك سيادة الدول التي تعمل فيها؛ وعلاقات طهران بدول الخليج العربية التي لحقت بها أضرار كبيرة، بدليل استعداد إيران لضربها متى شاءت، وقدرتها على ذلك؛ ونظام العقوبات الأميركية الذي ساعد على سحق الاقتصاد الإيراني، والذي سيشكل عائقاً في وجه إعادة الإعمار التي تحتاجها إيران بشدة؛ والوجود العسكري الأميركي الكبير في المنطقة، الذي يمكن تقليصه في أعقاب وقف إطلاق النار كبادرة حسن نية، لكن الذي سيظل رغم ذلك بمستويات ترى فيها طهران تهديداً؛ وإستراتيجية إسرائيل الأمنية التي تسعى إلى تحقيق أهداف قصوى على نحو متزايد، ومسألة ما إذا كانت الولايات المتحدة مستعدة لوقفها.
وتشمل المشكلات أيضاً المسألة الأوسع المرتبطة بحظر الانتشار النووي في وقت يمكن أن تتبنى فيه القيادة الجديدة لإيران رؤية أكثر خطورة تتمثل في أن الردع النووي يتطلب وجود ترسانة، وليس مجرد قدرة محتملة، وفي الوقت الذي يمكن فيه لجهات إقليمية أخرى أن تفعل الشيء نفسه. أخيراً، تشمل مسائل لم تتم تسويتها بشأن كيفية تصرف النظام الإيراني مع شعبه، أي هل سيكون أكثر استجابة لمجتمعه، ومن ثم في موقع أفضل لإعادة بناء علاقاته الخارجية، وتجاوز المواجهة الدائمة مع خصوم في الخارج ومعارضين في الداخل؛ أم سيستجيب من خلال التمترس وزيادة حدة القمع.
دون معالجة هذه المسائل، فإن أي وقف لإطلاق النار سيكون هشاً، وعُرضة للانهيار في أي وقت. لكن هذه ليست قضايا يمكن تسويتها في أسبوع، أو حتى في شهر، لكن الوقت في غاية الأهمية الآن. إن ثمن استمرار الصراع، ووجود رئيس أميركي لا تقيده أي ضوابط في مواجهة نظام مستعد لإشعال العالم، مرتفع أكثر مما يمكن تحمله. ولذلك من الأفضل وقف الحرب الآن، والتراجع خطوة عن حافة الهاوية، ومن ثم السعي إلى معالجة هذه التحديات الشائكة من خلال استئناف العمل الدبلوماسي بدلاً من محاولة تسويتها الآن والمخاطرة باشتعال حرب تزداد اتساعاً وخطورة وخروجاً عن السيطرة.
The International Crisis Group
