ما الذي يرعب دولة الاحتلال من “الزعتر” و”العكوب”؟ يبدو أنها تعاني من هواجس مضطربة تقلق سردية الزيف التي تروج لها. إنهم يسعون دائماً لإيجاد ما يربطهم بالتاريخ، لكنهم يفشلون في ذلك مراراً وتكراراً؛ ولهذا يستمرون في سرقة ممتلكات الآخرين أو تشويهها ثم نسبها إلى أنفسهم. هذه العادة ليست جديدة، لكنها ليست المشكلة الوحيدة، فالمعضلة الكبرى تكمن في انعدام شعورهم بالخجل وإصرارهم المستمر على هذا السلوك.
فيلم “الباحثون عن الطعام”، إنتاج: فلسطين. مدة الفيلم: 65 دقيقة. بطولة: عزيزة مناع، وعادل مناع، وزيدان حاجب، ومحمود شواهدة، وإيهاب سلامة، ونجمة حمدان، وسمير نعامنة. التصوير: مارتي فولد، وأشرف دواني، ويانيف لينتون. المونتاج: حقل المن – كاترين ايرسون. صوت: منتصر أبو علول. موسيقى: رشاد بكر. إخراج وإنتاج: جمانة مناع. حصل الفيلم على جائزة أفضل فيلم وثائقي في الدورة السابعة من مسابقة الأفلام العربية لعام 2023، والتي تتألّف لجنة المحكمين فيها من 193 ناقداً عربياً. كما نال جائزة النقاد للأفلام العربية من مهرجان “كان” السينمائي، بالإضافة إلى جوائز من مهرجان “المشمش الذهبي” ومهرجان “ملبورن” السينمائي الدولي.
في عام 1977، أصدرت وزارة الزراعة الإسرائيلية قانون “الأنواع البرية المحمية” الذي جعل قطف الزعتر (العشبة العطرية) مخالفة جنائية. وفي عام 2005، شمل الحظر نبات العكوب (الخرشوف البري) أيضاً. ويعاقب القانون مَن يخرقه، سواء عبر قطف هذه النباتات أو حيازتها أو بيعها، بغرامات وحتى بالسجن. وينطبق القانون على الجميع، لكنه يطال بصورة خاصة المناطق التي تمثّل فيها هذه النباتات جزءاً من النظام الغذائي اليومي، ولا سيما بين الدروز والفلسطينيين داخل الأرض المحتلة، ثم في الأراضي المحتلة التي تديرها إسرائيل لاحقاً. وما زاد الطين بلة أن بعض الإسرائيليين أخذوا بذور هذه النباتات البرية لزراعتها وبيع المحاصيل، بما في ذلك تسويقها للفلسطينيين، وحتى للدول العربية المجاورة.[1]
تقول جمانة مناع: “نقطة البداية هي حب جمع النباتات البرية في فصل الربيع وسحر المناظر الطبيعية التي تنبض بالحياة، ومن ثم الجنون في مواجهة جهاز قانوني تافه للغاية، يفصل أين وكم من هذه النباتات يُسمح لك أو لا يسمح لك بجمعها على أرض تمت مصادرتها بالفعل ومصادرتها إلى أراضي الدولة الإسرائيلية. العديد من هذه الأراضي التي يجمعها الباحثون عن الطعام هي أراضٍ كانت تابعة لقراهم. هذه هي الطريقة التي تمثل بها النكبة الخلفية لجميع جوانب الحياة، لأن هذا هو ما يعنيه العيش تحت الاحتلال.”[2]
يقدم فيلم “الباحثون عن الطعام” دراما البحث عن النباتات القابلة للأكل في فلسطين بطريقة ساخرة وهادئة. تم تصوير الفيلم في مناطق متعددة كمرتفعات الجولان والجليل والقدس، واستطاعت مخرجته جمانة مناع أن تمزج بحرفية بصرية عالية ما بين الخيال والوثائقيات واللقطات الأرشيفية، لتكشف تأثير قوانين حماية البيئة الإسرائيلية على هذه الأنشطة، والتي تهدف إلى منع جمع نبات العكوب والزعتر، وفرض غرامات ومحاكمات على مئات الأشخاص الذين تم ضبطهم في أثناء جمع هذه النباتات المحلية. وبالنسبة إلى الفلسطينيين، تُعتبر هذه القوانين وسيلة بغطاء بيئي لتمكين مصادرة أراضيهم.
يروي الفيلم رحلة النباتات من البراري إلى المطابخ، متتبعاً الأحداث من مطاردات الباحثين عن الطعام مع دوريات حماية البيئة إلى النقاشات الساخنة في قاعات المحاكم. ويعكس الفرح والمعرفة المتوارثة والمتأصلة في هذه التقاليد، كما يصور مقاومتها للقوانين الصارمة. يستفز الفيلم التفكير بشأن سياسات الانقراض، محدداً مَن هو الذي يقرر مصير الأنواع الطبيعية، وما يجب المحافظة عليه.
يبدأ فيلم “الباحثون عن الطعام” برجل يختبئ في منظر طبيعي خلاب، ثم يقوم بثقب إطارات سيارة تابعة لهيئة مراقبة الحدائق الإسرائيلية. بعد ذلك، نشاهد مقطع فيديو قديماً من برنامج تلفزيوني يعود إلى سبعينيات القرن الماضي، يُظهر كيف تُفرض رقابة صارمة على حصاد الزعتر – المعروف لدى البعض باسم “الزوفا” – في إسرائيل، ويُحظر على الفلسطينيين، بينما يتباهى الإسرائيليون الذين أُجريت معهم المقابلات بذكائهم في بيع الزعتر للعرب.
يُبرز الفيلم بصورة متميزة، الفارق الكبير بين صلة الشعوب الأصلية بأرضهم وصلة المستعمرين والغزاة. إذ يتحرك هؤلاء المستعمرون بدافع من الطمع والفساد، ويتفاخرون بقسوتهم وبمكاسبهم من تغليف وبيع نبات قديم للشعب الفلسطيني، الذي كان لهم أصلاً، وذلك على الرغم من أن الإسرائيليين لا يستهلكونه. كما يظهر الفيلم إصرار الفلسطينيين على التمسك بشعور قوي من التحدي والكرامة والفخر في أثناء التحقيقات التي تُجرى معهم، وقد كانت هذه التحقيقات مكتوبة لكنها بدت طبيعية وتوحي بالمصداقية.
مزج فيلم “جامعو الطعام” بين الأنماط الوثائقية والروائية ليبرز الصراع الحاد بين قوى الطبيعة والحدائق العامة الإسرائيلية وجامعي الطعام الفلسطينيين، وبواسطة تصميم مدروس وأنيق، ينجح الفيلم في تجسيد الحب الذي يتوارث تاريخياً، والصمود والمعرفة المتأصلة في تلك التقاليد، في إطار سياسي بالغ الأهمية.
الفيلم يقدم رؤية دقيقة عن كيفية استخدام القانون كوسيلة للاستعمار والإبادة الثقافية، هذه التشريعات صدرت بحجة الحفاظ على النباتات من الانقراض، لكن من غير المستغرب أن تتزامن مع مساعٍ واضحة من بعض الشركات الإسرائيلية لدخول السوق والسيطرة عليها. ليس هناك ما يمنع قانونياً شركة يملكها عرب من حصاد الأعشاب وبيعها، كما أن اليهود الإسرائيليين ليسوا ممنوعين قانونياً من جمع المحصول من البرية، لكن أحياناً تُنفذ القوانين انتقائياً. هذا الفيلم الوثائقي يتضمن لقاءات مع باحثين عن الطعام فلسطينيين تعرضوا للاحتجاز والغرامة؛ مشاهد صادمة بصرياً في أثناء البحث عن الطعام، ولحظات محلية هادئة تتعلق بإنتاج وبيع الأطعمة الفلسطينية.
فيلم “اليد الخضراء”، أو “الباحثون عن الطعام”، يعتبر تفكيكاً للسياسات الممنهجة التي تتبعها قوات الاحتلال، وذلك عبر مراقبة الأراضي وحرمان أصحابها الأصليين من منتجاتها، ويتضح ذلك في هدف المنع الإسرائيلي الذي يسعى لدفع الفلسطينيين إلى شراء ما تنتجه المستوطنات الاستعمارية. كما يكشف الفيلم الجغرافيا الفلسطينية التي تؤدي دوراً بارزاً، حيث الجبال والتلال والسهول المغصوبة تبدو كأبطال حاضرة لا تقبل النسيان. في المقابل، يظهر ما يُسمّى بـ”حراس البيئة” كقوة أمنية تهدف إلى المراقبة والمنع وفرض الغرامات على “المخالفين”، ضمن خطاب استيطاني يروّج لنفسه باعتباره المدافع الأول عن القيم الإنسانية، بينما هو في حقيقة الأمر مغتصبها.
يحمل الفيلم رسالة إنسانية قوية عن الصراع من أجل الحفاظ على الهوية والحق في الأرض والتقاليد، تحت ضغوط القمع والاحتلال. ويعرض العمل كيف تتحول الذاكرة الجماعية والثقافة البيئية إلى أدوات مقاومة تحفظ التراث في أوضاع صعبة. كما يؤكد ضرورة وضع القصص الإنسانية في سياق التاريخ السياسي، مع إبراز خصوصية تجربة الفلسطينيين الذين يعيشون هذا التداخل المعقد بين الطبيعة والسياسة. وفي ختامه، يقدم “اليد الخضراء” دعوة للتأمل في القيم المشتركة وفي قدرة الإنسان على الصمود وتحقيق توازن مع محيطه، على الرغم من كل التحديات.
لقد نجحت المخرجة في كشف المخاطر التي تكتنف الحفاظ على التقاليد العربية في ظل القانون الإسرائيلي. يمزج فيلمها “جامعو الثمار” ببراعة بين الخيال والوثائقي ولقطات أرشيفية، ليقدم صورة دافئة لمجتمع تقاوم أنشطته اليومية القمع المستمر. وعبر استخدام مزيج متقن من المواد الوثائقية وإعادة تمثيل الأحداث، تُطلعنا مخرجة الفيلم ببراعة على مجريات الوضع برمته. نشاهد اثنين من أقاربها المسنين يجمعان العكوب من بين أنقاض قريتهم الأصلية التي دمرتها إسرائيل خلال حرب 1948، واثنين من ضباط سلطة المتنزهات مسلحين بمسدسات يحررون غرامات، وامرأة تبيع كومة من العكوب في الشارع، في حين قدّم ستة فلسطينيين مختلفين، لمحققٍ خارج الكاميرا، تفسيرات مراوغة أو تصادمية بشأن الأكياس البلاستيكية البيضاء التي عُثر عليها بحوزتهم، وهي أكياس مليئة بخضروات غير ضارة. تقول إحدى النساء إن نبات العكوب يحتضر في البرية لأنه، كأي نبات آخر، “يحتاج إلى التقليم”. ويصرّ العديد منهم على أنهم يحاولون فقط إطعام أطفالهم، ليُتّهموا بدورهم بأنهم “تجار مخدرات”.
شهادة من أجواء الفيلم: نعم، أجمع العكّوب، ولا أعترف بقوانينكم العنصرية التي تطال حتى جمع الطعام، الأرض لنا ليست لكم كما حال النباتات فيها، ألقيتم القبض عليّ في الأعوام 2002، و2009، و2011، والآن في 2018، وستلقون القبض عليّ برفقة أبنائي وأحفادي في العام 2050.. سأتابع طريق أبي وأمي وأجدادي، هذا هو قانوني، وهذا هو واقعي الذي لا أعترف بغيره..
يطرح الفيلم تساؤلات جدية تنبثق من مشاهد الطبيعة الخضراء وحوارات المحاكم العبثية: كيف تتحول حجة حماية البيئة إلى وسيلة لقمع المستعمَرين؟ وكيف تفرض هذه الحجة اغتراب المستعمَرين عن طبيعتهم، وعن ماضيهم وتقاليدهم؟ ينجح الفيلم في سحب المتفرج إلى دوائر متكررة تشبه إيقاع الطبيعة: أبطالها يقطفون الأعشاب وسط براري الجليل وبحيرة طبرية والجولان، ثم يلاحقهم حراس البيئة الإسرائيليون. تتكرر مشاهد الاستجواب والتهديد بالتحويل إلى المحاكمة، والمثول أمام القاضي، بينما يلجأ المتهمون لاحقاً إلى أساليب دفاع متنوعة تؤدي في النهاية إلى رفض الاعتراف بقانون الاحتلال برمته. ومع ذلك، تثير هذه المحاولات حسّ السخرية أمام غرابة فكرة أن أفعالاً بسيطة وموروثة عبر الأجيال تُحوّل فجأة إلى جرائم.
[1]هشام نفاع، “بوادر تراجع إسرائيلي في الحرب على الزعتر والعكّوب وأصحابهما!“، المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية (مدار)، 20/8/ 2019.
[2] Nicolas Pedrero-Setzer, “FORAGERS a film by JUMANA MANNA. 2022. France. 64 min. A Palestinian community’s love of collecting wild plants becomes a gesture of resistance,” “Le cinema club”.
